سيد محمد طنطاوي

142

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أرواحهم من أجسادهم ، أو يأتي أمر ربك - أيها الرسول الكريم - بإهلاكهم ، أو بإنزال العذاب بهم من حيث لا يشعرون . وليس المراد من الجملة الكريمة ، أنهم ينتظرون ذلك على سبيل الحقيقة ، لأن إصرارهم على الكفر جعلهم يستهينون بهذا التهديد وإنما المراد أنهم حين أصروا على الكفر مع ظهور البراهين على بطلانه ، صار حالهم كحال المترقب لنزول أحد الأمرين : قبض الملائكة لأرواحهم ، أو نزول العذاب بهم . فالجملة الكريمة تهديد لهم في تماديهم في الكفر ، وتحريض لهم على الإيمان قبل فوات الأوان . قال الجمل : و « أو » في قوله « أو يأتي أمر ربك » مانعة خلو ، فإن كلا من الموت والعذاب يأتيهم وإن اختلف الوقت ، وإنما عبر بأو دون الواو ، للإشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم . . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى . أي : مثل هذا الفعل الشنيع الذي صدر عن الكافرين من قومك - يا محمد - فعل الذين من قبلهم من أقوام الرسل السابقين ، كقوم نوح وقوم هود ، وقوم صالح ، فإنهم قد آذوا رسلهم . كما آذاك قومك . وقد أنزلنا بهم ما يستحقون من عقاب دنيوي ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . وقوله - سبحانه - ما ظَلَمَهُمُ اللَّه ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . بيان لعدالة اللَّه - تعالى - وأنه - سبحانه - لا يظلم الناس شيئا . أي : وما ظلمهم اللَّه حين أنزل بهم عقابه : ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم بترديهم في الكفر ، وإصرارهم عليه ، ومحاربتهم لمن جاء لإخراجهم من الظلمات إلى النور . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * معطوف على قوله ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وما بينهما اعتراض . وحاق : بمعنى أحاط ، من الحيق بمعنى الإحاطة ، وبابه باع ، يقال : حاق يحيق ، وخص في الاستعمال بإحاطة الشر ، ومنه قوله - تعالى - : ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 569 .